|
مع تحول الفن بعد عصر النهضة من
توجهاته الكلاسيكية التي استمدت موضوعاتها من الدين والأسطورة وفن
البورتريه، انتقل الفن التشكيلي إلى تصوير موضوعات لها علاقة
بالحياة، وهذا ما أثر كثيرا على تطور فن الكاريكاتير وتبلوره كفن
مستقل.
حيث أن الكثير من الموضوعات
الحياتية كانت تحتوي على مضمون هزلي أو ساخر، وبسبب هذا التوجه
أيضا سعى الفنان للتعبير عن مضمون لوحته إما بالحركة أو بالخط
اللذين خرج بهما عن إطار المعايير التشريحية الجامدة مما خلق
مقدمات لفن الكاريكاتير أيضا. وهذه المادة هي بداية لسلسة من
المواد تتحدث عن المهن المختلفة في لوحات الفنانين التشكيليين
وخيوط الكاريكاتير في هذه اللوحات. ونبدأ بمهنة طب الأسنان.مع هذه المادة نرفق مجموعة لوحات
تعود في معظمها إلى القرن السابع عشر، حيث لم يكن هناك طب أسنان
بالشكل الموجود عليه حاليا، وكان الحلاقون على الغالب هم من يمارس
هذه المهنة، وربما كان عمل الطبيب في ذلك الحين يقتصر على خلع
الأسنان، ولم تكن عملية الحشو والحفر موجودة، وربما لم تكن ممكنة
بسبب عدم استخدام المخدر في ذلك الوقت، كما أن العيادات ليس فيها
أي وجه شبه بين عيادات عصرنا والمعقمات لم تكن تتعدى الكحول كما
يبدو من الزجاجات التي تظهر في معظم اللوحات، وبما أن كليات طب
الأسنان والرخص الصادرة عنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت فقد كان
من السهل لأي محتال أن يدعي ممارسته لهذه المهنة فكان يختلط
المختصون بالحلاقين والمحتالين وهذا ما تعبر عنه اللوحات المذكورة.
أول ما يجمع هذه اللوحات هو
التعابير الحركية للمرضى حيث نشاهد جميع أبطال هذه اللوحات في حالة
تشنج مد كل منهم يده وفرد راحته وكأنه يطلب النجدة، أو شد قبضته
وكأنه يريد أن يعتصر الألم الذي في داخله ويخرجه خارج بدنه. ولأمر
الثاني هو ملامح الرعب التي تسيطر على وجوه هؤلاء الأبطال، ففي
عصرنا الراهن وفي ظل وجود كل الإجراءات التي تخفف الألم عن المريض
فإن عقدة طبيب الأسنان تكاد تكون عقدة اجتماعية، حيث أكثر ما يخشاه
الإنسان هو الذهاب إلى طبيب الأسنان الذي يشكل له رعبا حقيقيا، بل
أن هناك أشخاص مثل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ الذي وصل مرض أسنانه
على مرحلة تعفن اللثة ولكنه فضل تحمل الألم الفظيع الناتج عن ذلك
على الذهاب إلى طبيب الأسنان كما ورد في مذكرات طبيبه الشخصي، فما
بالك كيف كانت النظرة إلى طبيب الأسنان في ذلك الوقت حيث يترتب على
المريض مواجهة الألم وجها لوجه دون أي تدخلات أخرى، إن اللوحات
تعبر عن ذلك الرعب بشكل واضح من خلال الحركة العامة للجسم والخطوط
التفصيلية لعضلات الوجه.
وجوه الأطباء حملت تعابير أخرى،
فبينهم من كانت ملامح وجهه تدل على الحيادية تسيطر عليها حالة
استرخاء وانعدام التعبير كما في لوحات غريت دوي Gerrit
Dou (1590- 1675) (2)

الصورة 2
حيث تدل ملامح وجه
الطبيب على الخبرة التي يوحي بها انعدام أي تعبير من وجهه سوى
التركيز بعينيه على فم المريض، بينما نلاحظ على وجه الطبيب في
لوحتي غيريت فان هونثورس Gerrit van Honthorst
(1590- 1656) (3 و 9)

الصورة 3

الصورة 9
لتي يبدو فيهما وجه الطبيب نفسه،
نلاحظ ابتسامة اختلطت فيها السخرية بالود في اللوحة (3) بينما بدا
على وجهه الانهماك في اللوحة الثانية(9)، أما في لوحة ديفيد
إلجوفين تينيرس
David
el joven Teniers (1610-1690) (5)

الصورة 5
|