- بريشته
مزق العفن والخمج وبتر الغرغرينا في الجسد الفلسطيني .
- أسند ظهره إلى حائط الجماهير، فكسب الرهان .
- انتقد
الثورة ليس تطاولاً، بل خوفاً عليها .
الزمان : الساعة الخامسة وعشر دقائق حسب توقيت غرينتش
من يوم الأربعاء 22 تموز عام 1987.
المكان : شارع "ايفز" بلندن .
أوقف الفنان العربي الفلسطيني ناجي العلي سيارته،
ومشى بضعة أمتار في ذلك الشارع باتجاه مكاتب صحيفة
القبس الدولية .
شاب أسمر البشرة، أجعد الشعر باغته بإطلاق الرصاص
على رأسه، فأصابه برصاصة قرب أنفه، وفر مبتعداً بعد أن
رأى ناجي العلي يسقط على رصيف الشارع .
يوم 29-8-1987 أسلم ناجي العلي فنان فلسطين والعرب
الروح اثر هبوط مفاجئ في ضربات القلب .
دفــن ناجي العلي يوم 3-9-1987 في مقبرة (بروك وود)
اللندنية الواقعة في منطقة (ووكنغ) على بعد 30 ميلاً
من لندن في القبر رقم 230190 المزين بألوان العلم
الفلسطيني في المقبرة الإسلامية .
.. وحيـن سقط ناجي العلي جسداً على الرصيف اللندني،
سكت ضيقو الأفق والكتاب الخائفين المتصالحين، ثم
غمغموا، ولم يدينوا أحداً، موت ناجي فضيحة للسطحية
والجهل والأنانية والغوغائية، وحياته سيف مُسلط على كل
قيم الجهل والجهالة .
*اختصر العالم في "طّز"
يقول ناجي
العلي: "في الوقت الذي فيه الإعلام العربي الرسمي وغير
الرسمي يطبل ويزمر للثورة الفلسطينية، كنت أنا اليتيم
الذي ينتقد الثورة، ليس تطاولاً أو وقاحة، بل خوفاً
وقلقاً وإحساساً مني بالواجب، تعرضت للكثير نتيجة هذا
الموقف وكنت حزيناً ومتألماً جداً .
وحين قال
الشاعر عز الدين المناصرة لصديقه: "يا ناجي عليك
بالحذر لأنهم..." قال ناجي (طُزّ)، وكان من عادته أن
يختصر العالم في هذه (الطزّ) .
ناجــي
العلي، فنان لا يساوم، وهو قاس على الذين يتقدمون
الصفوف ويمشون عوجاً، وهو لا يرضــى بأقـل من البياض
والنصاعة والطهارة التافهة للذين ينتحلون تمثيل
البسطاء والفقراء والوطن .
الثورة
عند ناجي أخلاق وذوق ومُثل، والعروبة أخّوة حقيقية،
ولهذا بالضبط لن يُخدع ناجي بالشعارات، وهكذا وضع
القابلين والرافضين في باص واحد مع تباين فقط في طريقة
الجلوس .
ناجي
العلي أحد مهندسي المزاج الوطني، وهو أحد نتاجات
الإبداع الوطني، هو ابننا وأخونا ورفيق مذابحنا
وأحلامنا، وخالق حنظلة الخالد، القادر على أن يُسمى
هويتنا بتأتأة تضحكنا وتبكينا.. ورحل، ولكنه خلف خلفه
تراثاً هو تراثنا الجماعي، تراث شعب يتكون بكل ما
يمتلك من وسائل التكون .
*
رسالة ناجي
ناجي العلي،
فنان قاس عنيد، طبيب جراح، ريشته مبضعه، وبمبضعه يمزق
العفن والخمج، يبتر الغرغرينا من الجسد حتى لا يموت
الجسد ويتعفن .
هو كمثقف
شعبي من دم الناس ونبضهم وروحهم وهمومهم، وبالضبط لهذا
اغتاظ منه بعض المثقفيــن والكُتاب والصحفييـن
الكسالى، المطمئنين، المرتاحين إنه فنان محرج، يضع
المثقف والمبدع أمام مسئوليته ولا يجامله، لأن الفن
عند ناجي رسالة والفنان دور لا (وظيفة) أو منصب .
ناجــي
العلي هو بالضبط الفنان الملتحم بحياة الناس وهمومهم،
الفنان ابن الشعب وأدواته وصوته .
وبكلمات
قليلة ينشر ناجي بيان الفقراء، فيقرأ الناس بيانهم،
تتناقله الأفواه والأذان والعيون، وقد يكون السؤال :
منذ متى صار الكاريكاتير يروى كقصة، كحكاية، كرد على
الغلط الفكري والسلوكي؟؟ ويكون الجواب: منذ ولدت مدرسة
ناجي العلي، المدرسة الجديدة في تاريخ ومسيرة فن
الكاريكاتير العربي .
*
الفنان الذي كسب الرهان
لم يركز ناجي
العلي في خطوطه على قبح الوجوه والملامح، فموقفه ليس
فيزيائياً من الساسة والقادة والحكام، وهو لا يريد
للناس أن يفشّوا غلّهم وأن يشتموا ثم يواصلوا انخراطهم
في تفاهة وبؤس طاحونة حياتهم اليومية المملة المكدورة
.
نعم، ناجي
هو الفنان الذي كسب الرهان، لأنه راهن على الشعب،
الشعب الذي ما زال في الميدان يبدع ويضحي ويقدم رغم
الموت والسجون والجوع والاضطهاد.
ناجي
العلي فنان راهن على قوة الحياة والحق، وفلسطين
بالنسبة له هي الحق والحياة وروح الأمة وسؤالها، لذا
اختار الخيار الصائب، الصعب الفاجع .
ناجي
تجاوز الحدود الموهومة بالخطوط التي ترسم الحدود
الحرة، حدود الحرية بلا ضفاف، حرية الفنان والناس
والوطن .
يقول
فاروق وادي في مجلة شؤون فلسطينية، حزيران 1977:
"الرحلة في داخل رسومات ناجي تأخذ شكل الدائرة، نقطة
البدء فيها فلسطيني، ونقطة النهاية هي فلسطين، وتظل
فلسطين أرضنا وقضيتنا هماً يحمله ناجي طوال رحلته
ويتغلغل في مساحات رؤيته لقضايا العالم، ففلسطين
بالنسبة لناجي هي المحور .
كان ناجي
لا يرى ولا يؤمن ولا يعتقد ولا يتصور دولة فلسطينية
إلا في كل الخارطة الفلسطينية. والدولة التي لا تشمل
قريته الشهيدة (الشجرة) ليست دولة . ولهذا رفض فكرة
المرحلية رفضاً باتاً . قال ناجي "لا" في عصر "نعم" .
وكان لابد
ِأن يزعج هذا الموقف لأنه يكشف الرأي الآخر ويعريه .
ولم يستطع ناجي أن يقول مع القائلين " "اللهم نفسي" و"الحيط
الحيط يا رب الستر" لأن هذا يتناقض مع شخصيته الشعبية.
ناجي يسند ظهره إلى حائط الجماهير ويطلق النار وما قتل
أحداً أبداً وما أطلق النار على أحد أبداً، لأنها
مساحته المشروعة، حريته الوطنية القانونية في إطلاق
النار على الفساد أينما كان، لأن فلسطين له مثلما هي
لغيره، فقد كان يخاف عليها إلى درجة الغيرة، كأنه
وكيلها الوحيد في منافي العذاب . وبمقدار تعبيره عن
هموم الحياة الفلسطينية لم ينس ناجي أنه وكيل الجماهير
العربية، بل وكيل الطبقات الفقيرة على وجه الخصوص .
ولهذا فهو
فنان طبقي منحاز، فالثورة وقودها الفقراء . و"الفلسطنة"
ليست بشهادة الميلاد ولهذا كان يرفض شعار "كلنا
فلسطينيون" . بل كان يحدد الطبقات التي تدافع عن
الثورة وتدفع الثمن من دمها ويحدد أيضاً الآفات
الطفيلية التي تسلّقت جسد الثورة على حساب الفقراء .
*
الثمن المحتوم
كان ناجي مع
المثقف المبدع ضد المثقف الموظف . وكان يعي أنه سيدفع
الثمن في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على
خوفه من دفع الثمن، بل العكس، ظل يناطح حتى الاستشهاد،
كانت الشهادة مرسومة على جبينه منذ أن قرر أن يخوض
معركته، معركة الشعب الفلسطيني حتى النصر أو
الاستشهاد، لم يتراجع لحظة ولم ينافق ولم يفكر في
حماية رأسه .
*
استشراف المستقبل
حين ننظر إلى
لوحات الشهيد الحي ناجي العلي نجدها لم تفقد قيمتها
الفنية بعد مرور سنوات تسعة عشرة، فهي لا تزال طازجة
معاصرة رغم مرور هذا الزمن عليها .
ففي لوحة
Camp David مثلاً يجعل الخنزير العربي (
البدين والمترهل والقبيح) من حرف الـ
v علامة النصر، وذلك كان وما يزال
صحيحاً من وجهة نظر عرب أمريكا وأزلامهم منذ حدوثه في
أواخر السبعينات وحتى اللحظة، فما الذي أوصلنا إلى هذا
الدرك السحيق غير كامب ديفيد وما تلاها، بدءاً بمدريد
وانتهاءً بأوسلو وتطبيقاتها الكارثية على الأرض
الفلسطينية، فإشارة النصر التي رفعها المتكرشون العرب
أتباع أميركا، تساوي بالضرورة الهزيمة النكراء لكل قيم
العدالة والتحرر والمواجهة الشريفة لمخططات ضياع الوطن
عبر دهاليز المؤتمرات الدولية والمفاوضات الثنائية .
في حينه
كان كامب ديفيد يبدو آنيا ومرحلياً، ولكن السنوات التي
تلته، أثبتت صحة ما ذهب إليه ناجي العلي من أن كامب
ديفيد كان بداية الهزيمة النكراء لوحدة الجهد العربي
واختراقاً للصف العربي وإخراجاً لمصر من دورها العربي.
ومثل هذا
الكاريكاتير هناك العشرات من الموضوعات ذات الطابع
الآني، كان موقف حنظلة فيها يبدو استشرافا لسنوات
طويلة ستأتي، فكامب ديفيد تحول إلى معاهدة سلام مصرية
إسرائيلية، ثم تطور إلى مدريد وأوسلو واتفاقيات سلام
عربية فلسطينية إسرائيلية .
كامب
ديفيد كان بدايـة الانتصــار لمعسكر الزاحفين على
ركبهم نحو السلام مع إسرائيل والولايات المتحدة،
وبداية لمعسكر الصمود والدفاع عن قيم الشرف والكرامة،
وعدم التفريط بالأوطان .
ومن مثل
هذا الكاريكاتير عن تحويل إسرائيل لمجرى الليطاني،
والجنوبية المتشحة بالسواد، تتساقط دموعها وهي تستند
إلى الجرّة المقلوبة دون ماء بعد أن سرقت إسرائيل مياه
الليطاني وتركت الجنوبيين عطشى، هذا الكاريكاتير ما
يزال صالحاً حتى هذه اللحظة .
وإذا كانت
الموضوعات الآنية تتحول بين يدي ناجي العلي إلى
موضوعات تستشرف آفاق المستقبل البعيد، فما الذي يمكن
أن نقوله عن تلك الرسومات التي وضعت أصلاً لمثل هذه
الغاية الاستشرافية .
الصبيـة
سندريـلا ذات الضفائر الجميلة والساق المقطوعـة، توقع
بالطباشير على الحائط العربي "لا صلح لا مفاوضات لا
اعتـراف" وحنظلـة ينظر إليها فيما يشبـه السخـرية
المريرة، أين وصلـت الشعارات التي خطتها يد سندريلا
الساخرة على حائط المبكى العربي؟؟
ومثل هذا
المعنى ورد في لوحة أخرى لناجي العلي ولكن بصورة
مختلفة حيث نجد السيدة العذراء (الفلسطينية) تحتضن
طفلها (يسوع المسيح) وقد انحنت فوقها النخلة تتساقط
رصاصاً وقنابل، لا رطباً جنياً، ويخاطبها الطفل على
مرأى من الشاهد حنظلة ( لا صلح لا مفاوضات لا اعتراف،
لا تخافي ولا تحزني يمهّ) .
*
حنظلة الشقي
وفي كل حروبه
يحرص ناجي العلي على أن يزج بطفله الشقي إلى قلب
الأحداث .. فتبدو عيناه مثل منظار مقِّرب تريان
الأشياء بوضوح خارق مثل عين جماعية .
هذا الطفل
الذي يبقى فاعلاً حتى في أقصى حالات استرخائه، إذ نراه
في لقطته العادية واضعاً كفيه مشبوكتين وراء ظهره الذي
يمنحه غالباً لنا، محدقاً في شيء نراه معه فنفرح أو
نحزن أو نضحك أو نفكر أو نُدهش معه، ثم أنه ينطلق
ليصرخ، يشتم، يردد نداء، يستخدم قدميه، أو يبكي .. وفي
كل ذلك نظل نشاركه انفعالاته .
ناجي
العلي لقارئ صحيفة الصباح التي عودنا أن نبدأ بها من
صفحتها الأخيرة، هو الذي (مثلما قال عنه محمود درويش):
".. صار يحدد مناخ صباحي كأنه فنجان القهوة الأول" .
وأنه مثلما وصفه طلال سلمان: ".. هو الاسم الحركي
الفلسطيني" . وفنجان القهوة مثلما يأتينا بانتعاشة
اليقظة، فإنه يأتي أحياناً بحرقة داخلية تلسع كالحزن..
لكننا نرتشفه.. بلذته وحرقته معاً .. لنبدأ معه يوماً
فلسطينياً جديداً .
*
مضمون الصراع الطبقي
ويزاوج
ناجي القضية السياسية بالقضية الاجتماعية من منظور
الصراع الطبقي، فالفلسطيني الفقير والمعدم يحمل سمات
الفدائي في كفاحه من أجل لقمة العيش، فلا ينفصل الصراع
السياسي عن الصراع الاجتماعي .
وحول هذا
المحور تلتف هموم الفنان، وعلى موقعه هذا ينصُب
متراساً يشن منه حربه على المستسلمين والرجعيين
والطائفيين والصهاينة والإمبرياليين، وقوى الاستغلال
الطبقي، فهو ينفي طائفية الصراع، ويؤكد مضمونه الطبقي،
مثال: (فقير مسلم وفقير مسيحي معلقان على صليب واحد)،
(برجوازيان يشربان نخباً على طاولة فوقها أيادٍ مقطعة
ومتصافحة، تمثل فقراء المسلمين وفقراء المسيحيين) .
لقد وجد
ناجي عمقه الأخلاقي في شخصية السيد المسيح وجعل من
حياته رموز الخير والكفاح من أجل الحق خصوصاً عندما
يتعلق الأمر بالأرض المحتلة، يقول ناجي: "المسيح
يعنيني كقيمة للفداء وقد رسمته لأنه كان مطارداً
ومغلوباً، أرسمه كجنوبي من لبنان وكفلسطيني من
المخيمات، لذلك نشاهد في رسومات ناجي، المسيح وهو
ينتزع يده الموثقة بالمسامير ويلقي حجراً على العدو
ويحول صليبه إلى غمد سيف ويلبس ثياب الفدائي ويعبر
النهر حاملاً صليبه ويقرع جرس الكنيسة برصاصة معلقة
على وسطه.. .
*
تحويرات الشكل واللغة
وتبدو قدرة
ناجي الفائقة في إعطاء تحويرات متعددة لشكل واحد، إذ
يبقى الشكل محتفظاً بدلالاته الأصلية مع اكتسابه دلالة
جديدة نابعة من الشكل الجديد المحوّر . مثال: "العلم
الأمريكي مثلاً يتحور في رسومات متعددة ليصبح بحراً
تارة وحجاب امرأة تارة أخرى، أو شعر رجلٍ، أو خطوط
ترسمها الأظافر على الوجه، أو آثار على الأرض لدبابات
العدو، أو سجادة لصلاة المستسلمين.. الخ" .
ويدخل
تحويرات على الصليب ليتحول مرة إلى خنجر، مرة إلى
متاهة ومرة إلى مصيدة، وأخرى إلى شارة على الطريق .
وتمتد
التحويرات إلى أشكال قبة الصخرة تتحول كأساً، والعيون
إلى عيدان كبريت، والحذاء إلى قذيفة والهرم إلى شجرة
أرز .
واللغة لا
تكون مستوية لديه دائماًَ، فقدرته على إدخال تحويرات
على اللغة لا تقل عن قدرته على إدخال تحويرات على
الشكل . فيلتقط ناجي أوجه التشابه في نطق كلمتين رغم
مضمونها المختلف والمتناقض أحياناً، ويستبدل كلمة
بأخرى بحيث توفي بهدفه الساخر والتحريضي أو أنه يشق
الكلمة إلى كلمتين لتبدو بمضمون جديد أو يلتقط كلمة
مزدوجة المعنى، بحيث يُفهم كل معنى منفرداً أو يفهم
المعنيين معاً، وأحياناً يستفيد من قول متداول أو اسم
شائع فيحوره ليكسبه معنى آخر . مثال: الكلمة مزدوجة
المعنى، نجد ذلك في صورة الأم المثالية..، كان عندها
أربع شباب كلهم نالوا الشهادة، مع التأكيد هنا على
كلمة "الشهادة" التي قد تعنى شهادة جامعية، لكنها هنا
تعنى الاستشهاد .
تحوير
كلمات أو أقوال شائعة بتغيير ترتيب الحروف أو استبدال
بعضها فشعار "ثورة حتى النصر" يتحور على لسان
الانتهازي ليصبح "ثروة حتى النصر" وعبارة "كثر الضغط
يولد الانفجار" تتحور فيها الكلمة الأخيرة لتصبح "كثر
الضغط يولد الانفراج" و"بور سعيد" بعد تحويلها إلى
منطقة حرة يصبح اسمها "بار سعيد" .
أما تقطيع
الكلمة، فعبارة "شعب الله المختار" تتحول مع صورة
إسرائيل إلى "شعب الله المخ.. طار" "ولبنان الأخضر"
إلى "لبنان الأخ.. ضر" "وبارليف" إلى "بار .. ليف" .
استخدم
ناجي اللغة الإنجليزيــة كثيراً في لوحاتــه، إما
تحويــراً، وإما كلغة يستخدمها العامة لإيصال رسالته
إلى العـدو الحقيقـي بلغته، ففي السهرة المألوفة التي
التأمت في بيت حنظلة، يجتمع الفلسطيني الفقير المضطهد
المناضـل وثلاثة من أشقائــه العرب الشرفاء حول دلة
القهـوة المرّة والسجائر: يقول الفلسطينــي الكادح
للأشقــاء العرب
No Good Morning
،
No good night،
يا أميركا، We will fight،
فيجيب
العربي صح لسانك .
ومن نمط
هذه اللوحة ذات الإطلالة الاستشرافية على الواقع
العربي المتردي، يظهر الخنزير العربي المتكرش السابح
كالفقمة، وقد نبت له قرنان معقوفان وهو يصافح اليهودي
البشع قائلاً له: "زوجتك نفسي، فيما يشبه المنحة
المجانية التي تنطوي واقعياً على التفريط بكل شيء
بدءاً من الوطن وانتهاء بالكرامة .
*
ناجي.. بعيداً عن السياسة
وبعيداً عن
السياسة فقد نشرت صحيفة السياسة الكويتية لوحة لناجي
يظهر فيها شاباً وفتاة يمران ببعضهما بعضاً، وينظران
إلى بعضهما نظرات ذات معنى، ولا يكتمل هذا المعنى إلا
إذا عرفنا أن الفتاة كانت تلبس ثوباً مزيناً برسم يملأ
الثوب (كثقب باب)، أما الشاب فيلبس قميصاً مزيناً برسم
لعدد هائل من المفاتيح!! .
اختصار
عبقري في بساطته لكل هواجس الشباب من الجنسين وربما
كان هذا الرسم واحداً من عدد قليل من رسوم ناجي التي
ابتعدت عن السياسة التي كانت الهم اليومي له والممر
الأساسي لفنه وحياته ولموته كذلك .
وأخيراً،
ذلك الكاريكاتير الذي أصبح شعاراً للمثقفين العرب وهم
يخوضون حربهم حتى الموت في مواجهة القمع الرسمي
العربي، وتكميم أفواه المثقفين إلى حد التصفية
الجسدية، إنه كاريكاتير "لا لكاتم الصوت.." الذي نشر
آلاف المرات، وكأنها الرؤيا التي رآها لذلك المسدس
الجبان الذي كان يترصده في شوارع لندن .
إذن آلاف
اللوحات من بين الأربعين ألف لوحة التي تركها الفنان
الشهيد ناجي العلي تنطلق بهذه المعاني التي ازدادت صحة
وواقعية بعد تسعة عشرة عاماً على انطفاء شعلته، فلم
يزدد بموته إلا حياة، وبغياب جسده إلا حضوراً وتوهجاً
في وجدان الشرفاء من هذا الوطن، ومن هذا العالم الغارق
في الظلمة والظلام، لذا، ناجي سيبقى والمواجهة ستبقى
مفتوحة، كما أننا بحاجة لقراءة فنية عميقة لأربعين ألف
لوحة كاريكاتيرية رسمها ناجي، هي ميراثه وميراثنا الذي
نواجه به (وإلى الأبد) القتلة والمحرضين على القتل . |